إنها - الآن - تنآى عن صخبي
لم أستلطف أبدا فكرة السيرك وكنت لا أقدّر ما يناسبها من أوسمة الإستحقاق عدا الحماقة، وهي تهيم في مجالات اللعبة، شكلها البهلوانية المطرّزة بالإستخفاف والصبيانية(؟).
واعجب لحالي وأنا ألقي القبض عليّ متلبسة برغبة محتدمة للتشبه بالجسر: فأتجرد تماما من لوثة الخوف، وأقف منتصبة كالكبرياء على خط الريح، وبخطى واثقة الأناقة والعزم، أعدو على جبهة سيدي مسيد ممتلئة بغبطة خرافية، أذهب وأجيء بحثا عن ذلك الزئبق المسمى سيرتا في لازمة رائعة للغدو والرواح، وجهتي الإنسجام والتناغم الحر.
لكننني لا أليث أن أنزلق قليلا حتى تفاجأ (رجلي) باكتشاف الهاوية الهوّة، فيتفجر في العين بريق الدهشة مجبولا بسحر الذهول، ليهتف بالروح مطلق (ها) فتنزل نأمة نأمة مستلقية في فراغ الإمتداد تارة ومتسلقة لحفيف الجوهر، آلاء المدينة، تارة أخرى.
هكذا تنهى علاقتنا بالمكان عن ملل التعوّد، وتخاطر بالعادة عندما تهتدي إلى حكمة التواصل، فتجنح إلى الصداقة كمفهوم طموح إلى التكامل يقوم على سبيل المدّ والجزر.
وكذلك هي علاقتي بالمدينة، بقسنطينة، هذه العلاقة الغريبة حين يعزّ علي وصفها كما ينبغي، والمدهشة لما ينتابها من سحر الحلول.
إنها اكتشاف يعود إلى زمن البعد، أقصد عندما كنت أتابع دراستي الجامعية بالعاصمة فقد أفقت ذات يقظة على زهرة الشوق وهي تتفتح جملة واحدة في سيرتا وأنا:
عن مدينة تحلّ بي
توقظ فيّ جرحها الأول
تفرد لي سحنة البجع الرائد
في السفر الكاسر والنواح
مدينة أعارتني اسمها
المكبل بالتيه
والمواويل الحزينة
أجازت ليّ الوحدة
كل الوحدة
واشرأبت بالغياب (2)
وجاء اسمها ولادة البوح وبداية تجربة المؤانسة:
سيرتا
وأنت الإستفاقة الأولى
المرج المتنامي
المتخطي عتبة هذا القحط
السنونو الأول المقتحم
نضارة هذا الــ .. قلب
ناوليني رجائي إليك
إغفلي هذا الذهاب عني
واعذري السلام المرتعش
هذه المدينة توأم الروح، إسم القسوة وبوابة السحر، إنها (السرّ) الذي يقاسمني سرّ الكتابة وينافسني في ابتكار الصباحات اللائقة الإمكان فهي:
تستيقظ المدينة أنّى تريد
تفتح شباكها لورد النبوءات
المزيد